الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
51
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
في اليمّ . [ 37 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 37 ] وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 37 ) عطف على جملة وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ الفرقان : 35 ] باعتبار أن المقصود وصف قومه بالتكذيب والإخبار عنهم بالتدمير . وانتصب قَوْمَ نُوحٍ بفعل محذوف يفسره أَغْرَقْناهُمْ على طريقة الاشتغال ، ولا يضر الفصل بكلمة لَمَّا لأنها كالظرف ، وجوابها محذوف دل عليه مفسر الفعل المحذوف ، وفي هذا النظم اهتمام بقوم نوح لأن حالهم هو محل العبرة فقدم ذكرهم ثم أكّد بضميرهم . ويجوز أن يكون وَقَوْمَ نُوحٍ عطفا على ضمير النصب في قوله فَدَمَّرْناهُمْ [ الفرقان : 36 ] أي ودمرنا قوم نوح ، وتكون جملة لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ مبيّنة لجملة فَدَمَّرْناهُمْ . والآية : الدليل ، أي جعلناهم دليلا على مصير الذين يكذبون رسلهم . وجعلهم آية : هو تواتر خبرهم بالغرق آية . وجعل قوم نوح مكذّبين الرسل مع أنهم كذّبوا رسولا واحدا لأنهم استندوا في تكذيبهم رسولهم إلى إحالة أن يرسل اللّه بشرا لأنهم قالوا : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ [ المؤمنون : 24 ] فكان تكذيبهم مستلزما تكذيب عموم الرسل ، ولأنهم أول من كذّب رسولهم ، فكانوا قدوة للمكذبين من بعدهم . وقصة قوم نوح تقدمت في سورة الأعراف وسورة هود . وجملة وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً عطف على أَغْرَقْناهُمْ . والمعنى : عذبناهم في الدنيا بالغرق واعتدنا لهم عذابا أليما في الآخرة . ووقع الإظهار في مقام الإضمار فقيل لِلظَّالِمِينَ عوضا عن : اعتدنا لهم ، لإفادة أن عذابهم جزاء على ظلمهم بالشرك وتكذيب الرسول . [ 38 ، 39 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 38 إلى 39 ] وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً ( 38 ) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً ( 39 )